وائل عبد الفتاح
«إنه في الأعالي.. ولن تستطيعوا الوصول إليه إلا بطريقتنا»
قال الوسيط لجنرال كبير في الداخلية.. الجنرال يريد مقابلة كبير البدو..
والكبير يسكن في قلعة خاصة خارج سلطة البوليس.. وفي جبال لا تملك أجهزة الدولة المصرية خريطة دروبها المجهولة.. ولا سلطان عليها إلا لرجال البدو.
الجنرال.. اصطحب طاقم مساعديه وسلم نفسه تمامًا لرجال كبير البدو.. استقلوا في البداية سيارات جيب.. أوصلتهم لنقطة انتهت عندها المرحلة الأولي من الرحلة إلي القلعة.. المرحلة الثانية تمت بدراجات بخارية تابعة لمجموعة أخري.. عندما انتهت حدودها.. بدأت رحلة سير علي الأقدام حتي مقر الكبير المتربع علي الأرض.. أمامه مدفع رشاش.. تحيطه فرقة حماية متأهبة للقتل في أي لحظة.
هذه حكاية حقيقية.. وتفاصيلها نُشرت في صحف الحكومة منذ سنوات.. والرواية من واقع تجربة ضباط البوليس للسيطرة علي بدو سيناء.
تجربة أليمة من الطرفين.. الأمن المصري يري البدو جماعة خارجة عن السيطرة (مشاريع خيانة).. والبدو يرون قوات الامن طلائع «غزو مصري» ينتظرون يوم رحيله.
النظرة ليست عامة.. لكنها الغالبة.. الدولة في مصر ورغم أنها مركزية لم تستوعب عبر عصورها بدو سيناء.. لم تجد أسلوبًا في فك شفرة التعامل معهم.. الدولة محترفة في إدارة دلتا النيل وما حولها. لكن سيناء غامضة.. لغز يحتاج خبرات جديدة.
ظلت سيناء في عهدة العقلية الحربية فترات طويلة. هدفها الأمن وإقامة جسور مع بعض قبائل البدو.. وكان من السهل علي الاحتلال الإسرائيلي أن يقيم علاقة مع قبائل أخري وجدت خيط مصلحة مشتركة مع المحتل.
ظل البدو أسري لاستقطاب بين الوطنية والخيانة. عالم مغلق. يثير بغموضه الأمن والسياح والمغامرين في السياسة.
عالم خارج حسابات الدولة. مطرود من رحمتها. مستبعد من مشاريعها. خاصة أن الدولة قررت أن تحول سيناء إلي حديقتها الخلفية. اختارت شرم الشيخ لتصنع منها سويسرا في قلب مصر. أحاطتها بالأسوار، العبور منها أصعب من دخول إسرائيل نفسها.
منتجعات في قلب الأرض المنسية خلقت دائرة واسعة من الاستفزاز حول البدو. تريدهم مصر أن يحمون حدودها المفتوحة وملاعبها الصعبة.. دون مقابل.. والبدو يبحثون عن أمان الرحل.. الذين يعيشون بقانونهم العرفي.
من هنا عندما تقتل الشرطة رجالاً من البدو تتصرف بعض القبائل مثل ميليشيات خارج السيطرة.
عصيان بدو سيناء.. مرعب للأمن.. يكسر هيبتها.. وسيطرتها علي ملعب سيناء المفتوح.. وهذا انتقام مفزع.. علي أخطاء الإهمال.. والتعامل المهين الذي لاقاه البدو بعد تفجيرات سيناء منذ 5 سنوات حين اقتحمت قوات الأمن القبائل بطريقة جرحت كبرياء البدوي في سيناء (خاصة فيما يتعلق بكسر الحاجز مع الحريم).
إنها خطيئة أشعرت البدو بالإهانة وبأن الدولة في مصر لا تعرفهم ولاتريد معرفتهم.. لحظة حاسمة تحول بعدها البدو إلي «مشروع أعداء».. وهو إعلان فشل لنظام يري بعين واحدة.
الغريب أن بعض المتابعين لأحداث سيناء تعاملوا بمنطق المشجعين وهتفوا ضد البدو واعتبروهم «خونة وعملاء للدولة اللي جنبنا» كما فعل عمرو أديب علي قناة «الأوربت». حيث لم يظهر كباحث عن الحقيقة ولكن كمشجع كرة محروق من الفريق المنافس.
وهذا في الحقيقة استسهال مروع.. لا يختلف كثيرًا عن الاستسهال الذي تعامل به النظام مع البدو.
النظام يتعامل بمنطق المحتل.. لكن ليس بمهارته.. وأتذكر الآن حكاية سمعتها في العريش بعد التحرير بفترة قصيرة.. عندما ذهبت سيدة عجوز لاستخراج بطاقة ومرمطتها الأجهزة المصرية فقالت بتلقائية: «.. يابني اليهود معملوش معانا كده..» فرد عليها موظف مصري: «بس اليهود.. خرجوا ياست» فردت عليه بنفس التلقائية: «وإنت يابني امتي هاتخرجوا..».

Wapher
del.icio.us
ترك تعليق