الاديب المصري مسعد أبو فجر: لا أومن بالتصانيف التقليدية في الكتابة, فانا كتبت ما اعرف وما أحس
أنا ابن صحراء تعرضت لأكبر عملية انتهاك في التاريخ لوقوعها في براثن صراع العرب مع إسرائيل
كتابتي هي امتداد لرسومات أجدادي السينائيين التي رسموها منذ أكثر من ثلاثة ألاف عام
(8/1/2008)
العرب اليوم - محمد الحرّ
عاش البدو دائما يمتلكون ثقافتهم الشفهية المتوارثة ولكن أن تصدر رواية هي الأولى من نوعها تناقش واقع بدو سيناء فقد يكون لذلك وقع الصدمة - المفاجأة خاصة في بادية مثل بادية سيناء تعيش على إرث واسع وكبير من العادات والتقاليد والمحاذير ولكنه فعلها هذا الكاتب الشاب المغامر" مسعد ابو فجر " الذي لم يعبأ سوى بصوت الكاتب في داخله فأطلق العنان لقلمه الذي أستطاع ان ينسج من التفاصيل الصحراوية المعقدة لوحة فسيفسائية فكانت روايته الأولى " طلعة البدن "- الصادرة عن دار ميريت 2007 - معتمدا على ذاكرته الفوتوغرافية التي تحتفظ بالعديد من الصور - المشاهد التي يسترجعها بطريقة الفلاش باك ويصوغها بلهجته البدوية المحكية بكل بساطة ودون تعقيد متجاهلا البنية الروائية المتبعة عادة في الكتابة الروائية ليصبغ روايته برؤيته هو مرتكزا على مخزونه الواسع من تاريخ حافل بالأوجاع القومية والتاريخية والجغرافية لبدو سيناء الذين يعيشون بين كيانين معاديين لهم.
"العرب اليوم" التقت الروائي " مسعد أبو فجر " ومعه كان هذا الحوار:
* بدأت بالقصة ثم عرجت على الرواية فهل أنت مؤمن بالقول بان القصة تساقطت من معطف الرواية?
- لا أومن بالتصانيف التقليدية في الكتابة, هذه قصة وتلك رواية, فانا كتبت ما اعرف وما أحس, فان أردت أنت تصنيفه, صنفه فهذا شانك. أنا اكتب وحسب.. في كتابي الأول ظهرت نصوص سردية قصيرة, في كتابي الثاني ظهر نص سردي طويل, اقترح عليّ الناشر أن يسميه "رواية" فوافقت, فقط, لأني لم أكن مشغولا بالتصنيف..
* أنت صاحب أول رواية بدوية تتناول تاريخ منطقة حتى اليوم مجهولة على صفحات الأدب العربي هل تعتبر ذلك تميزا لروايتك?
- لن أتكلم عن هذا الكتاب الذي تسميه أنت رواية, فهذا متروك للآخرين, ولكني على العموم لست مشغولا بالمكان بقدر ما أنا مهموم بإنسان المكان وانعكاسات الظرف التاريخي والحضاري الذي مرت به الجغرافيا على المقيمين فيها. وتستطيع أن تقول أن كتابتي هي امتداد لرسومات أجدادي السينائيين, التي كانوا يرسمونها, منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام, على جدران بيوتهم المنحوتة بالأزميل في بطون جبال سيناء.
* طلعة البدن أول عبارة وضعت على الغلاف وهي عنوان الرواية وكان آخر مشهد من مشاهد روايتك أمام هذا الجبل الذي يحمل نفس الاسم فماذا قصدت من خلال ذلك هل تعمدت الربط فيما بين الاثنين العنوان والمكان?
- طلعة البدن هو احد الجبال الثانوية في سيناء, بمعنى انه لم يأخذ إبعادا ميثولوجية مثل جبال أخرى, ولكني أراه جبلا عبقريا, من حيث هامشيته, ومنظره الذي يبدو للناظر من بعيد, مثل جسد أنثوي يطلع من ثوبه. ثم إنني ابن لخطابين, الأول علني وهو ما تحاول المؤسسة الرسمية تسييده, باستخدام ألفاظ مثل أبناء الوادي وأبناء سيناء, ورغم هذا اللفظ الذي يوحي بالأخوة, إلا أن البيروقراطية المصرية تمارس تحته كل أشكال التمييز والإقصاء, ضد ناس ناضلوا وصمدوا على أرضهم أكثر من خمس عشرة سنة, اقترفوا آثاما.. (نعم).. ولكن من منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر.
وعلى الجانب الآخر, هناك خطاب ثانٍ, يتردد في أقسام الشرطة وفي مفارز امن الدولة والدواوين وبين السائقين في مواقف سيارات الأجرة, وهو خطاب سري يخفي نفسه كالجسد تحت الثوب, فأردت أن اخرج الجسد من ثوبه واطرحه عاريا..
* كتبت روايتك بأسلوبك أنت بعيدا عن البنية الروائية فجاءت مهلهلة إلى حد ما من هذه الناحية, لماذا تغافلت أو تجاهلت ذلك?
- لم أكن مشغولا بالبنية التقليدية في السرد, أنا من خلق بنيتي التي تتلكأ على أساليب السرد في الدواوين وفي حكايات الأمهات لابنائهن قبل النوم, ومن تحدثوا عن الخلخلة في البنية, هم مثل من يتوضأ للصلاة, انه يعد نفسه لاستقبال طقسا تعبدي. ولو دخلوا للكتاب بدون أن يعدوا أنفسهم لقراءة رواية, لاستمتعوا بالنص, ولكنهم أبوا إلا أن يدخلوا على الكتاب وفي رؤوسهم أنهم داخلون على رواية, حبكة وأحداث وشخصيات, وحين لم يجدوا ما دخلوا من اجله وصفوا النص بالمهلهل.. لقد أعجبني وصف لقارئة عادية من عرب .48 قالت تلك القارئة انه كتاب يشبه ما تبقى من عرب في فلسطين.. فرغم الشتات الظاهر على السطح إلا أن هناك هما وجدانيا يربط بينهم جميعا, حتى من كان منهم جنرالا في الجيش الإسرائيلي..
* اللغة في طلعة البدن لغة محكية بلسان بدوي تحمل العديد من التفاصيل والكلمات البدوية التي قد تقف حاجزا أمام قارئها فهل وضعت ذلك في الحسبان? أم جاء ذلك تعمدا منك?
- شخصيات الكتاب (عودة وربيع وبراك والآخرون) يتكلمون بلغتهم (بطريقتهم) ولم يكن من الممكن أن اجعلهم يتكلمون بلغة أخرى, وإلا لصرت كأني اكتب بعض المصطلحات الانكليزية على لسان شخصية تعمل بائعة بطاطا.. وعموما لو كتبت بلهجة مصرية مثلا, لما وجد القارئ أي صعوبة في فهمها.. لماذا? لان القارئ يعرف اللهجة المصرية.. وحينما كتبت بلهجة بدو سيناء لم يعرفها القارئ.. فالعيب عموما ليس في اللهجة, بل في درجة انتشارها, وعموما فالكثير من الكتاب العالميين, يستخدمون كلمات يبذل القارئ, الذي يتكلم لغة الكاتب, مجهودا لكي يفهمها, ومن هؤلاء الكتاب نيكوس كازانتزاكيس مثلا, فهو يستخدم مصطلحات مغرقة في محليتها وهامشيتها, وهذا الاستخدام قد يكون مفيدا, لأنه بوجه من وجوهه يضع هذه اللغة على المحك, فإما أن تعيش وإما أن تموت.
* تناقش الرواية العديد من المواضيع الإشكالية الخطيرة ومنها مسألة المواطنة والقومية والانتماء وأنت بذلك تضرب معولك بشدة في حقول ألغام متعددة قد تكون نتائجها دامية بالنسبة لك على المستوى الشخصي والإبداعي فماذا عن ذلك?
أنا اكتب ما اعرف, وما اعرفه أن العسكرتاريا العربية أساءت عميقا, لأشياء كثيرة في حياتنا, ومنها المصطلحات والكلمات العربية, فلم تعد كلمات مثل نضال ووطنية وقومية تثير في نفس سامعها غير السخرية, نتيجة استخدام أبواق البيروقراطيات العربية لهذه الكلمات في غير موضعها.
والبيروقراطيات العربية, تُصدر عبر وسائل إعلامها, مفاهيم بدائية للانتماء والمواطنة, الانتماء في عصرنا لم يعد انتماء عرقيا, فالانتماء العرقي قد يجوز في قبيلة, ولكنه أبدا لن يجوز لدولة, فانا انتمي لمجتمع يوفر لي الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية, ويوفر لابنتي تعليما جيدا وغذاء صحيا, وكل هذا عجزت عن فهمه البيروقراطيات العربية, لذا وجدت نفسها خارج التاريخ.
* تتحدث كثيرا عن الحدود في روايتك فهل تمثل الحدود بصفة عامة هاجسا مقلقا بالنسبة لك?.
- تعرف إنني بدوي, قبل أي شيء آخر, والحدود هي مقتلة البدوي, هذا على الجانب الوجداني, أما على الجانب السياسي, فسيناء كانت تجد في الشرق (فلسطين) رئتها التي تتنفس بها, أما الآن وقد فصلت هذه الرئة عن الجسد السينائي, بفعل صناعي هو الحدود التي تطوقها الجنازير المغناطيسية والأسلاك الشائكة, فان سيناء صارت كمن يصّاعد إلى السماء. لمّا كنا نعتصم على الحدود, في ابريل الماضي, فتح الأولاد فتحة في الشبكة, التي تفصل سيناء عن فلسطين, كان الصغار يلجون منها مثل القطط, يلمسون تراب فلسطين ثم يعودون.
* أنت تنتمي بطبيعتك لبيئة بدوية تحكمها عادات وتقاليد يرى بعض ممن قرأوا روايتك منهم انك تمردت على عاداتهم وتقاليدهم بجرأة لم تخلو من تحطيم لتابو الجنس المباشر والفج, كونك تسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية دون اللعب على محور اللغة المبطنة للوصول إلى مبتغاك فاستسهلت اللغة المباشرة التي يراها البعض - كما طالعت بالعديد من مواقع الانترنت - لغة صادمة?
ليس من طبع الفنان أن يتوقف عند حدود الأدب, نعم قد يكون الكاتب كائنا أخلاقيا, ولكن ليس بالمعنى العادي لكلمة أخلاق, إنما بالمعنى الفلسفي للكلمة. أما ما تسميه كلمات فجة في سؤالك, فانا لا اعتبره كذلك, فالحكايات الشعبية التي تروى في الدواوين والأشعار الشعبية فيها كلمات واضحة وضوح ما كتبت, اعتقد انك تقصد السائد من الأخلاق, أن كنت فهمت سؤالك على الوجه الصحيح, فالأعراف والقوانين السائدة تعتبر التهريب مثلا من المهن المعيبة, بينما أنا سمعت فلكلورا من الجليل الأعلى تمدح فيه إحدى البنات خالها:
يا شايلين مهرب خالي قايدكوا
أبو فرد وباروده..
وفي الأخير تقول لخالها:
يا خالي قرب العيد بدي منك عيديه..
فهذه البنت لم تعترف بالأخلاق والقوانين السائدة, بل غاصت عميقا لتمتدح فعلا حقيقيا يمارسه الكثير من سكان الحدود, رغم أن السائد يُجرم مرتكبيه ويعتبرهم من الخارجين على القانون, فالأعراف والقوانين في الأخير تضعها الطبقة المسيطرة, كما تقول قوانين الجدل الماركسي..